حسناً حسناً .. سوف أكون في الموعد لا تخف و أحرص على أن تحجز طاولة ثلاث
أشخاص او أكثر .
ثلاث أشخاص أو أكثر ؟ ما لذي تخططين له يا فتاة ؟
لا عليك , والآن سوف أذهب لأستعد .. إلى اللقاء .
حسناً يا عاشقة الغموض لكِ ذلك .
جاء موعد اللقاء في المطعم وكل شيء على حسب المخطط له والأمور تسير على ما يرام
ضياء متأنق بالزي الرسمي و مُتعطر بخلطات العود الشرقية
و قط أطبق الأزرار الفضية مع غتره بيضاء نُسِفت إلى وراء الظهر مع المرزام على شكل
سبعه , وعند الساعة الثامنة تماماً راح يجول بنظره في الأرجاء لكي يستشف حضور أخته
مع ذاك المدعو الغريب لكنه لم يرى لها خيال
فخرج إلى جهة الاستقبال وبحث لكن بلا فائدة . تمتم ببعض كلمات العتب وهو مطأطيء برأسه
إلى الأرض .هم بالرجوع إلى الطاولة وعند اقترابه منها لاحظ وجود أشخاص بالداخل
فرح وأسرع بالدخول لكنه تفاجأ لما شاهده
قمر ؟ ملاك ؟ لا لا بل جمال يفوق هذه الأوصاف
كانت ثانية واحده فقط كأنها كتب الشعر الغزلي بفصيحه و نبطه .
كانت تلك الفتاة تلف الطرحة على رأسها ولم يظهر سوى وجهها بملامحه الطفولية النقية ..
أشاح بنظره وقال بخجل بالغ :
عفواً يا أختاه لابد انكِ أخطأتي في رقم الطاولة .
بسرعة خاطفة وضعت الطرحة على وجهها .. وقالت :
من أنت وكيف تدخل بهذه الطريقة ؟ بل أنت من اخطأ في رقم الطاولة
تكّون في داخله أول انطباع لرقيقة الملامح هذه بأنها صعبة المراس
وهذا ما لا يطيقه في الإناث , غير نبرة صوته وقال :
المعذرة لكن عليك أن تتأكدي من الرقم أنا واثق تمام الثقة بأن هذه طاولتي
وكنت جالس بها منذ ثواني قليلة .
حسناً حسناً أنتظر إلى أن تأتي صديقتي فإن الرقم لديها .
صديقة ؟ . وقال لنفسه هل يُعقل إنها دنيا ؟
آه .. ها أنت إذا , لقد وصلنا للتو ولم أجدك
على كل حال هل تعارفتما ؟
نظر إلى أخته بنظرات مخلوطة بالغضب و الاستفهام وقال :أتعرف على من ؟ .
قالت فاتن : دنيا إن هذا الرجل يقول أن هذه طاولته فتفاهمي أنتِ معه لأنه لا يفهم على ما يبدو.
أحس بالإهانة بسبب هذا الأسلوب و التفت إلى ناحية الطاولة وقال :من تقصدين بكلامك يا ....
أنتظر يا أخي هذه هي فاتن رفيقتي في هذه الأمسية , أرجوك تفضل
فاتن عزيزتي هذا هو أخي صاحب الدعوة , قالت هذا وهي تبتسم ابتسامة بريئة جداً.
خرجت فاتن مسرعة و توجهه بلا كلام إلى ناحية المخرج .
فاتن ؟ إلى أين تذهبين ؟ انتظري لحظة . ذهبت وراءها وهي تبتسم إلى أخيها ابتسامة
مصطنعه جداً .
وعند الباب أوقفت دنيا فاتن وقالت لها :
مهلاً إلى اين أنتي ذاهبة ؟ .
أنا ذاهبة إلى المستشفى .. نظرت إليها بعتب كيف تجرأين على أن تفعلي هذا بي !! لقد قلتي أن الدعوة من أحد صديقاتك المقربات وفي النهاية أكتشف أنه أخيك ؟.
ضحكت دنيا وقالت رفقك يا قمري .. أنا أعلم أن هذا لا يناسبك و أعلم أني كذبت عليك .. لكن صدقيني هذا الأمر يعتبر طبيعي هنا
وأنا دعوتك لأنك بمثابة أختي .. وبما أنكِ أختي فهذا يعني أنكِ من ضمن عائلتي أليس كذلك ؟.
لا ليس كذلك , قالت فاتن هذا و على وجهها علامات الغضب المتزايد ثم أهمت لتكمل طريقها للخروج فأمسكت بها دنيا وقالت لها :
فاتن عزيزتي لا تفعلي هذا بي , سوف نتناول وجبة العشاء ثم نذهب أرجوكِ لا تفسدي علي هذه الأمسية الجميلة التي كنت أنتظرها منذ مدة طويلة
الاجتماع بشخصين أعتبرهما أغلى الناس حدث عظيم في حياتي لن يتكرر مره أخرى وأنا أتلهف لهذا الحدث كتلهف الأسير للقاء أهله
قالت كلماتها بعاطفة كبيره و بنبرة حزن شديدة مما أدى إلى تضائل الغضب في نفس فاتن و تساقط ملامح الغضب من على وجهها الملائكي الذي لا يناسبه إلا الابتسام .
قالت فاتن بكلمات لطيفه تحاول التشبث بمعاني الرفض والغضب : أنا لا أستطيع ذلك .. كيف سأكشف وجهي أمامه ؟.
أنتي هنا في جدة والأغلبية من النساء يكشفن وجوههن وهذا جائز لأن ليس هناك فتنه.
قالت فاتن : بحزم أكبر أنا في جدة لكن مبادئي ما زالت نجديه .!!
فاتن حبيبتي مبادئك لن تُمس فقط ثقي بي وأعتبري ضياء مثل أبن عمك وأنكما في حفل عائلي.
في الحفل العائلي أنا لا أرفع نقابي أبداً.
لستِ مضطرة لذلك .. أبقي عليه و تصرفي على أنك في حفل عائلي شامل .. ابتسمت دنيا لكن فاتن لم تبتسم بالرغم من موافقتها على ذلك ...
ورجعتا معاً إلى الطاولة التي كانت مغطاة بقطعة قماش مخملي أزرق يطوقه زيج
من الحرير الأبيض و فوقه هدية مغلفة بطريقة أنيقة جداً بجانبها ثلاث شموع بيضاء
اثنتان منهما دون طول الثالثة وغرض آخر في كيس من الورق ..
وكل هذا تحت إنارة هادئة أكملت الأجواء الودية .
آسفة يا أخي لقد تأخرنا عليك و أرجو أن تعذر فاتن فهي لن تكشف وجهها لأسباب خاصة
وأنا جمعتكما لأني أحبكما جداً وأردت أن اجمع قطبي حبي في مكان واحد
لذا أرجو أن توافق .
أشاحت فاتن بناظرها إلى اليمين و كأنها تقول ( لستُ بحاجة موافقته ) .
قال ضياء بتردد : لا .. لا بأس يا أختاه أنا موافق ..
ثم وقف وقال مرحباً أنا ضياء , تشرفت بلقاءك .
لم ترد عليه فاتن و زادت إشاحتها للنظر .
تدخلت دنيا وقالت بحيوية :
آه ما رأيكم أن نطلب العشاء فلا نريد أن يتأخر الوقت الأكثر فكلن لديه ارتباطاته .
هز ضياء رأسه بالإيجاب و عدل وضعية المقاعد بطريقة مهذبة لتجلس الآنستان
تفضلي يا أختي .
قالت دنيا : شكراً لك يا أميري .
تفضلي يا أختي فاتن .
ومرة أخرى لم تفتح فمها بحرف واكتفت بالجلوس بطريقة غير مبالية .
فاتن بالرغم من أنها تبدو غير مكترثة إلا أنها لم تتوقف لحظة من ملاحظة شكل ضياء
محاولةً تذكر متى رأته من قبل .
طلبوا العشاء وبدأو في تسامرهم معاً إلى أن وصلت دنيا الى نقطة في حديثها للتعريف عن فاتن حيث قالت :
إن فاتن تعاني من قساوة أختها الصغرى سماهر لدرجة أنها تقيس مقدار الجمال بالغرور وهي تبتسم لتذكرها موقفها مع فاتن .. أكملت دنيا حديثها لكنها تجد عزاءها في والديها و أختها الصغرى غرام .. أليس كذلك يا فاتن ؟
هزت فاتن رأسها بالإيجاب وهي تنظر إلى الأسفل .
أما ضياء فقد تسارعت دقات قلبه لسماعه هذا الاسم ( غرام )
غرام ؟ أختها تُدعى غرام ؟
يا لجمال هذا الاسم ويا للأثر الذي يتركه في قلبي . قال ذلك محدثاً به نفسه ..
أكملت دنيا :
و مؤخراً المسكينة وقع عليها حادث مؤسف حيث سقطت من فوق الحصان ..
ضياء في هذه اللحظة شعر بتخدر في كامل جسده
وبدأت كلمات أخته تغيب عن إدراكه وراح يتذكر الموقف كامل .. وبدأ يحدث نفسه .. قائلاً :
اذاً هذه هي أخت غرام الكبرى .. غرام التي أرجعت لي الروح للحظات ثم غابت .. ها هو القدر يعيدها لي .. مهلاً هل يُعقل أن تكون فاتن هذه صاحبة هذا الدفتر ؟ وهو ينظر إلى الكيس الورقي ..
لا , لا يمكن فهي تبدو فظة و صعبة المراس .. وكاتبة تلك الكلمات لابد أن تكون رقيقة و حساسة و كلها مشاعر عاطفيه .
رجع لواقعه مره أخرى حيث سمع الصاعقة الحقيقة .. حينما قالت دنيا : وفاتن المسكينة فقدت دفتر مذكراتها الثمين أثناء ذلك الحادث .
قام ضياء على الفور و هو في حالة ذهول و تشتت و اضطراب شديد
وتوجه الى الخارج بسرعة متهورة حتى أنه كاد أن يصطدم بحامل الأطباق في طريقه .
تفاجأت دنيا و فاتن أيضا لردة الفعل هذه فقالت دنيا بخوف :ضياء مالخطب ؟ الى أين انت ذاهب ؟ .. أنتظر ٍ قليلاً ..!!
وخرجت خلفه تاركة فاتن في حيرة من هذا الموقف الغريب .
كيف ؟ هل يُعقل ذلك ؟ لم أشعر بهذا الشعور الغريب ؟ شعور نسيته منذ زمن بعيد ؟
هل هذه الفتاة المغرورة و المتعالية هي نفسها التي كتبت تلك الكلمات ..!!
وهي أخت غرام التي رأيتها على الكورنيش ؟
لا .. هذه الأحداث لا تقع
أنا ربما أتخيل ذلك .
أخذ يحدث نفسه ولكنه هذه المرة بصوت مسموع ..
قالت دنيا : أخي العزيز ما بك ؟ هل أنت بخير ؟
قال :دنيا أنا لست على ما يرام وليس في استطاعتي أن أخبرك الآن
سوف أذهب إلى المنزل .. آسف لكن عليك أن تكملي العشاء مع صديقتك .
قالت :ماذا ؟ ما لذي تقوله ؟ لكن أخبرني ما بك لقد أخفتني جداً .
قال : لا تخافي أنا بخير لكني مُرتبك الآن .. أرجوك أبقي مع صديقتك وسوف ألاقيك غداً في المستشفى . قال هذه الكلمات وهو يحاول الابتسام
ثم قبل جبين أخته وقال لها بنبرة هادئة و دافئة : لا تخافي أنا بخير .
ثم توجه إلى سيارته وأنطلق .
بقيت دنيا واقفه وهي في حيرة من أمرها
هل هو فعلاً بخير ؟ ومالذي يتحدث عنه أنا لا أفهم .
وصلت فاتن و وقفت بجانب دنيا وقالت : أعتقد أني أعرف ما بأخيك .
قالت دنيا : ماذا ؟ ماذا به ؟ وكيف عرفتي ؟
ثم رفعت فاتن يدها وهي تحمل دفتر الخواطر ...!!